القرطبي

85

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

لبث فيها إلى مثل تلك الساعة من اليوم السابع ، ثم أفاق وكأن في عروقه الزعفران . ذكر هذا الخبر ابن ظفر الواعظ المكنى أبا هاشم محمد بن محمد في كتاب « النصائح » . وروي عن ابن عباس ؛ أن إبراهيم - خليل الرحمن - سأل ملك الموت أن يريه كيف يقبض روح المؤمن ، فقال له : اصرف وجهك عني فصرف ، ثم نظر إليه فرآه في صورة شاب حسن الصورة ، حسن الثياب ، طيب الرائحة ، حسن البشر ، فقال له : واللّه لو لم يلق المؤمن من السرور شيئا سوى وجهك كفاه ، ثم قال له : أرني كيف تقبض روح الكافر ، فقال له : لا تطيق ذلك ، قال : بلى أرني ، قال : اصرف وجهك عني فصرف وجهه عنه ، ثم نظر إليه فإذا صورة إنسان أسود رجلاه في الأرض ورأسه في السماء كأقبح ما أنت راء من الصور ، تحت كل شعرة من جسده لهيب نار ، فقال له : واللّه لو لم يلق الكافر سوى نظرة إلى شخصك لكفاه . قال الشيخ المؤلف رحمه اللّه : وسيأتي هذا المعنى مرفوعا إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم في الملائكة في حديث البراء وغيره إن شاء اللّه تعالى . وقال ابن عباس أيضا : كان إبراهيم عليه السلام رجلا غيورا ، وكان له بيت يتعبد فيه ، فإذا خرج أغلقه ، فرجع ذات يوم فإذا هو برجل في جوف البيت ، فقال : من أدخلك داري ؟ فقال : أدخلنيها ربها ، قال إبراهيم : أنا ربها ، قال : أدخلنيها من هو أملك بها منك ، قال : فمن أنت من الملائكة ؟ قال : أنا ملك الموت . قال : أتستطيع أن تريني الصورة التي تقبض فيها روح المؤمن ؟ قال : نعم ، ثم التفت إبراهيم فإذا هو بشاب فذكر من حسن وجهه ، وحسن ثيابه ، وطيب رائحته ، فقال : يا ملك الموت لو لم يلق المؤمن عند الموت إلا صورتك لكان حسبه ، ثم قبض روحه صلى اللّه عليه وسلم . فصل قال علماؤنا رحمة اللّه عليهم : لا يتعجب من كون ملك الموت يرى على صورتين لشخصين ، فما ذلك إلا مثل ما يصيب الإنسان بتغير الخلقة في الصحة والمرض ، والصغر والكبر ، والشباب والهرم ، وكصفاء اللون بملازمة الحمام ، وشحوبة الوجه بتغير اللون بلفح الهواجر في السفر ، غير أن قضية الملائكة عليهم السلام يجري ذلك منهم في اليوم الواحد والساعة الواحدة ، وإن لم يجر هذا على الإنسان إلا في الأوقات المتباعدة والسنين المتداولة ، وهذا بيّن فتأمله .